تشهد الساحة السياسية والقانونية في دولة الكويت حراكاً استثنائياً متسارعاً يعيد رسم ملامح الهوية الوطنية؛ فلم يعد ملف الجنسية مجرد إجراء إداري روتيني، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس التركيبة الديموغرافية والسيادية للبلاد. يأتي الإعلان الرسمي الصادر اليوم، 17 مايو 2026، بشأن مراجعة وسحب دفعات جديدة من الجناسي، ليتصدر محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حاشدة من المواطنين والمراقبين حول المعايير المتبعة، والخلفيات القانونية التي استندت إليها اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية، والسر وراء الارتباط الوثيق لهذا القرار بنصوص “المادة 11” المثيرة للجدل.
مراجعة شاملة لملف الهوية الوطنية: كواليس القرارات الصادرة اليوم
أفادت مصادر مطلعة وموثوقة لـ “صحيفة ديما نيوز” بأن اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية عقدت اجتماعاً رفيع المستوى اعتمدت خلاله كشوفات جديدة تتضمن أسماء ومجموعات شملتهم قرارات الفقد والسحب. تتنوع الحالات المشمولة في مرسوم اليوم بين أشخاص تبين حصولهم على المواطنة عبر طرق غير قانونية كالتزوير والغش في الأوراق الرسمية، وبين فئات أخرى سقطت عنهم الجنسية لأسباب تتعلق بـ “ازدواجية الولاء” والانتساب القانوني لبلدان أخرى.
تفيد المؤشرات الحالية التي رصدتها “صحيفة ديما نيوز” بأن هذه الخطوات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتاج منظومة تدقيق أمني ورقمي متطورة امتدت لفترات طويلة. استخدمت الجهات المختصة تقنيات الربط الجنائي ومطابقة بصمات الحمض النووي (DNA)، بالتنسيق مع المنافذ ودول الجوار، لكشف التلاعب في الملفات العائلية القديمة التي منحت على أساسها المواطنة في عقود ماضية، مما جعل عملية الغربلة الحالية الأكثر عمقاً وصرامة في تاريخ البلاد.
المادة 11 من قانون الجنسية الكويتي: المحور القانوني الفاصل
لماذا يتردد صدى المادة 11 تحديداً في الأوساط القانونية بالتزامن مع قرارات اليوم؟ لتفكيك هذا الغموض، ينبغي العودة إلى نص المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959 المنظم لقانون الجنسية الكويتي. تنص المادة 11 صراحة على فقدان المواطن الكويتي لجنسيته بشكل تلقائي ومباشر إذا تجنس مختاراً بجنسية دولة أخرى.
نص المادة 11 من قانون الجنسية الكويتي: “يفقد الكويتي الجنسية إذا تجنس مختاراً بجنسية أجنبية، ولا تفقد زوجته الكويتية جنسيتها إلا إذا دخلت في جنسيته، ويفقد أولاده القصر جنسيتهم الكويتية إذا كانوا يدخلون في جنسية أبيهم الجديدة…”
تكمن العلاقة المباشرة هنا في أن التدقيق الحكومي الأخير ركز على فحص السجلات الدولية للمواطنين المستهدفين. عندما تثبت الوثائق امتلاك المواطن لجواز سفر أو جنسية بلد آخر طواعية وبإرادته الحرة، ينبثق نص المادة 11 ليفصل في الأمر فوراً؛ إذ يمنع القانون الكويتي “ازدواج الجنسية” منعاً باتاً من مبدأ حماية السيادة، وضمان عدم تشتت الولاء والانتماء بين كيانين سياسيين مختلفين.
خلفية الأحداث: كيف تطور ملف سحب الجنسية في الكويت؟
لم يبدأ مشهد سحب الجناسي في عام 2026، بل يمتد إلى إرث طويل من السجالات البرلمانية والسياسية التي شهدتها الكويت على مدى العقدين الماضيين. في محطات سابقة، كان هذا الملف يُستخدم أحياناً كأداة للضغط والتوازنات السياسية بين الحكومة ومجلس الأمة، تلتها فترات من التهدئة وتشكيل لجان لبحث المظالم وإعادة الجناسي لبعض الشخصيات العامة.
إلا أن المنعطف الحقيقي والنوعي بدأ يتشكل خلال العامين الأخيرين، حيث رفعت القيادة السياسية شعاراً حازماً عنوانه “تطهير الهوية الوطنية” وفصل هذا الملف السيادي تماماً عن أي مساومات أو ضغوط نيابية. تشير التقارير الإحصائية الرسمية الصادرة مؤخراً إلى أن أعداد الذين سُحبت وفُقدت جناسيهم بلغت أرقاماً غير مسبوقة، وشملت متجنسين وأبناءهم نتيجة كشف عمليات تزوير واسعة في المعاملات القديمة، أو ما وُصف بـ “التجنيس العشوائي” الذي تم في ظروف سياسية غابرة وأثر سلباً على أمن البلاد الاجتماعي والاقتصادي.
قراءة في أبعاد الخبر: تحليل أمني وسياسي عميق
تتجاوز القرارات الصادرة اليوم الجانب الإداري والقانوني البحت لتلامس أبعاداً استراتيجية ترسم ملامح الكويت المستقبلية. من منظور التحليل الصحفي الخاص بـ “صحيفة ديما نيوز”، يمكن رصد هذه الأبعاد عبر ثلاثة محاور جوهرية:
- الاستدامة الاقتصادية للأجيال القادمة: تتحمل الميزانية العامة للدولة أعباء مالية هائلة جراء تقديم الدعم والمزايا العينية للمواطنين (مثل الرعاية السكنية، التعليم المجاني، العلاج بالخارج، والوظائف الحكومية المضمونة). ضبط ملف الجنسية وإقصاء غير المستحقين يسهم مباشرة في حماية صندوق الاحتياطي العام وتوجيه الثروات لمستحقيها الفعليين.
- تحييد الأمن السيادي: تعتبر الهوية الوطنية خط الدفاع الأول عن أمن واستقرار الدولة. وجود أشخاص يحملون جنسيات مزدوجة يخلق ثغرات أمنية وولاءات متقاطعة، خصوصاً في ظل الأزمات الإقليمية المحيطة بمنطقة الخليج؛ لذا فإن الحسم الحكومي الحالي يبعث برسالة قاطعة بأن المواطنة الكويتية ليست ورقة للمصلحة أو التجارة.
- إعادة صياغة العقد الاجتماعي: تعكس الإجراءات الحالية رغبة الدولة في ترسيخ مفهوم “المواطنة الدستورية الحقيقية” القائمة على الالتزام بالقانون والولاء المطلق للأرض، بعيداً عن الفئوية أو القبلية أو الطائفية التي طالما ألقت بظلالها على المشهد السياسي الداخلي.
وجهات نظر متباينة: بين التأييد الصارم والمطالبة بالضمانات
أحدثت كشوفات سحب الجناسي انقساماً واضحاً في الآراء داخل المجتمع الكويتي، حيث برز تياران أساسيان:
تيار التأييد واستعادة هيبة الدولة
يرى أنصار هذا التيار أن تطبيق القانون بصرامة يمثل خطوة مستحقة لحماية الهوية الوطنية الكافلة لحقوق المواطنين الأصليين. يعتبر أصحاب هذا الرأي أن التزوير في ملف الجنسية يوازي جريمة “الخيانة العظمى”، مطالبين بمواصلة الفحص الجنائي الرقمي لكافة الملفات القديمة والحديثة دون الالتفات إلى أي ضغوط أو اعتبارات اجتماعية لضمان سيادة القانون فوق الجميع.
تيار المطالبة بالضمانات القانونية والإنسانية
على الصعيد الآخر، تبدي جمعيات حقوقية وقانونيون بعض التحفظات؛ فهم لا يعترضون على محاربة التزوير، لكنهم يشددون على ضرورة توفير ضمانات قضائية للمتضررين. يرى هذا التيار أن سحب الجنسية تترتب عليه أزمات إنسانية واجتماعية معقدة (مثل تحول الأفراد فجأة إلى فئة المقيمين بصورة غير قانونية “البدون”)، مما يفرض ضرورة إتاحة الفرصة للقضاء الكويتي ليكون الفيصل النهائي في هذه المنازعات تجنباً لأي أخطاء إدارية محتملة.
أسئلة شائعة حول سحب الجناسي والمادة 11 في الكويت
ما الفرق بين سحب الجنسية وفقد الجنسية في القانون الكويتي؟
- السحب: يطبق عادة على الشخص الذي اكتسب الجنسية بطريق التجنيس (غير الأصلي)، ويحدث إذا تبين أنه حصل عليها بناء على غش وتزوير، أو إذا ارتكب جرائم مخلة بالشرف والأمانة خلال فترة زمنية محددة من تجنيسه.
- الفقد: يقع بقوة القانون تلقائياً على الكويتي (بصفة أصلية أو بالتجنيس) بموجب المادة 11، وذلك في حال اختياره بمحض إرادته الحصول على جنسية دولة أجنبية أخرى وتخليه عن مبدأ الولاء الأحادي للكويت.
هل يحق للشخص الذي سُحبت جنسيته اللجوء إلى القضاء الكويتي؟
وفقاً للتشريعات السائدة حالياً، تعتبر مسائل وقضايا الجنسية من “أعمال السيادة” التي تخرج عن ولاية ورقابة القضاء الإداري الكويتي. ومع ذلك، هناك محاولات ومطالبات قانونية ونيابية مستمرة لتعديل هذا القانون وبسط سلطة القضاء على قرارات السحب والفقد لضمان الشفافية وحماية الأفراد من التعسف الإداري.
ما هو المصير القانوني لأبناء الشخص الذي تفقد جنسيته؟
حسب نصوص قانون الجنسية الكويتي، فإن فقدان الأب لجنسيته (بموجب المادة 11) يمتد بشكل تلقائي إلى أبنائه القصر في حال دخلوا معه في جنسيته الجديدة. أما في حالات التزوير (السحب)، فإن التبعات تمتد لتشمل الأبناء والأحفاد بناء على القاعدة القانونية “ما بُني على باطل فهو باطل”، وتعتبر كافة المعاملات والامتيازات اللاحقة ملغاة بأثر رجعي.
هل يمكن استعادة الجنسية الكويتية بعد سحبها أو فقدها؟
نعم، يجوز إعادة الجنسية الكويتية بمرسوم أميري وبناء على عرض وزير الداخلية في حالات ضيقة ومحددة؛ أبرزها أن يثبت الشخص تخليه التام والنهائي عن الجنسية الأجنبية الأخرى التي اكتسبها (تعديل وضع المادة 11)، أو إذا أثبتت لجان المراجعة والتدقيق براءته من تهم التزوير المنسوبة إليه سابقاً.
برأيك، هل تسهم الإجراءات الحكومية الصارمة الحالية في حماية الهوية الوطنية واستقرار الدولة، أم ترى ضرورة إخضاع هذه القرارات لرقابة القضاء الكويتي؟ شاركنا برأيك وتحليلك في قسم التعليقات أسفل المقال.
صندوق الكاتب: أُعد هذا التقرير التحليلي بواسطة وحدة الشؤون السياسية والقانونية في “صحيفة ديما نيوز”، تحت إشراف باحث قانوني ومتخصص في تغطية الشأن الخليجي وتاريخ التشريعات الدستورية في الكويت منذ أكثر من 12 عاماً.
